فصل: تفسير الآية رقم (2):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.سورة فصلت:

وتسمى السجدة وسورة حم السجدة وسورة المصابيح وسورة الأقوات.
وهي مكية بلا خلاف ولم أقف فيها على استثناء.
وعدد آياتها كما قال الداني خمسون وآيتان بصري وشامي وثلاث مكي ومدني وأربع كوفي.
ومناسبتها لما قبلها أنه سبحانه ذكر قبل {أفلم يسيروا في الأرض} إلخ وكان ذلك متضمنا تهديدا وتقريعا لقريش وذكر جل شأنه هنا نوعا آخر من التهديد والتقريع لهم وخصهم بالخطاب في قوله تعالى: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة عاد وثمود} ثم بين سبحانه كيفية إهلاكهم وفيه نوع بيان لما في قوله تعالى: {أفلم يسيروا} الآية وبينهما أوجه من المناسبة غير ما ذكر.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الخليل بن مرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ تبارك وحم السجدة.
بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآية رقم (1):

{حم (1)}
{حم} أن جعل اسمًا للسورة أو القرآن فهو إما خبر لمحذوف أو مبتدأ خبره.

.تفسير الآية رقم (2):

{تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2)}
{تَنزِيلَ} على المبالغة أو التأويل المشهور، وهو على الأول خبر بعد خبر، وخبر مبتدأ محذوف أن جعل {حم} مسرودًا على نمط التعديد عند الفراء، وقوله تعالى: {مّنَ الرحمن الرحيم} من تتمته مؤكد لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أو خبر آخر للمبتدأ المحذوف أو تنزيل مبتدأ لتخصصه بما بعده خبره.

.تفسير الآية رقم (3):

{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)}
{كتاب} وحكي ذلك عن الزجاج. والحوفي، وهو على الأوجه الأول بدل منه أو خبر آخر أو خبر لمحذوف، وجملة {فُصّلَتْ ءاياته} على جميع الأوجه في موضع الصفة لكتاب، وإضافة التنزيل إلى {الرحمن الرحيم} من بين أسمائه تعالى للإيذان بأنه مدار للمصالح الدينية والدنيوية واقع قتضى الرحمة الربانية حسا ينبئ عنه قوله تعالى: {وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين} [الأنبياء: 107] وتفصيل آياته تمييزها لفظًا بفواصلها ومقاطعها ومبادئ السور وخواتمها، ومعنى بكونها وعدًا ووعيدًا وقصصًا وأحكامًا إلى غير ذلك بل من أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم والمباحث المتباينة عبارة وإشارة مثل ما في القرآن. وعن السدي {فُصّلَتْ ءاياته} أي بينت ففصل بين حرامه وحلاله وزجره وأمره ووعده ووعيده، وقال الحسن: فصلت بالوعد والوعيد، وقال سفيان: بالثواب والعقاب، وما ذكرنا أولًا أعم ولعل ماذ كروه من باب التمثيل لا الحصر، وقيل: المراد فصلت آياته في التنزيل أي لم تنزل جملة واحدة وليس بذاك. وقرئ {فُصّلَتْ} بفتح الفاء والصاد مخففة أي فرقت بين الحق والباطل، وقال ابن زيد: بين النبي صلى الله عليه وسلم ومن خالفه على أن فصل متعد أو فصل بعضها من بعض باختلاف الفواصل والمعاني على أن فصل لازم عنى انفصل كما في قوله تعالى: {فَصَلَتِ العير} [يوسف: 94] وقرئ {فُصّلَتْ} بضم الفاء وكسر الصاد مخففة على أنه مبني للمفعول والمعنى على ما مر {قُرْءانًا عَرَبِيًّا} نصب على المدح بتقدير أعني أو أمدح أو نحوه أو على الحال فقيل: من {كِتَابٌ} لتخصصه بالصفة، وقيل: من {ءاياته} وجوز في هذه الحال أن تكون مؤكدة لنفسها وأن تكون موطئة للحال بعدها، وقيل: نصب على المصدر أي يقرؤه قرآنًا، وقال الأخفش: هو مفعول ثان لفصلت، وهو كما ترى إن لم تكن أخفش، وأيًا ما كان ففي {قُرْءانًا عَرَبِيًّا} امتنان بسهولة قراءته وفهمه لنزوله بلسان من نزل بين أظهرهم {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي معانيه لكونه على لسانهم على أن المفعول محذوف أو لأهل العلم والنظر على أن الفعل منزل منزلة اللازم ولام {لِقَوْمٍ} تعليلية أو اختصاصية وخصهم بذلك لأنهم هم المنتفعون به والجار والمجرور إما في موضع صفة أخرى لقرآنًا أو صلة لتنزيل أو لفصلت قال الزمخشري: ولا يجوز أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده أي قرآنًا عربيًا كائنًا لقوم عرب لئلا يفرق بين الصلات والصفات، ولعله أراد لئلا يلزم التفريق بين الصفة وهي قوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (4):

{بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4)}
{بَشِيرًا وَنَذِيرًا} وموصوفها وهو {قُرْءانًا} [فصلت: 3] بناءً على أنه صفة له بالصلة وهي {لِقَوْمٍ} على تقدير تعلقه بتنزيل أو بفصلت وبين الصلة وموصولها بالصفة أي {تَنزِيلَ} أو {فُصّلَتْ} و{لِقَوْمٍ} والجمع للمبالغة على حد قولك لمن يفرق بين أخوين: لا تفعل فإن التفريق بين الأخوان مذموم أو أراد لئلا يفرق بين الصلتين في الحكم مع عدم الموجب للتفريق وهو أن يتصل {مّنَ الرحمن} [فصلت: 2] وصوله ولا يتصل {لِقَوْمٍ يعملون}
وكذلك بين الصفتين وهو {عَرَبِيًّا} وصوفه ولا يتصل {بَشِيرًا} والجمع لذلك أيضًا. واختار أبو حيان كون الجار والمجرور صلة {فُصّلَتْ} وقال: يبعد تعلقه بتنزيل لكونه وصف قبل أخذ متعلقه إن كان {مّنَ الرحمن} في موضع الصفة أو أبدل منه {كِتَابٌ} أو كان خبرًا لتنزيل فيكون في ذلك البدل من الموصول أو الإخبار عنه أخذه متعلقه وهو لا يجوز ولعل ذلك غير مجمع عليه، وكون {بَشِيرًا} صفة {قُرْءانًا} هو المشهور، وجوز أن يكون مع ما عطف عليه حال من {كِتَابٌ} أو من {ءاياته} وقرأ زيد بن علي {بَشِيرٍ} ونذير برفعهما وهي رواية شاذة عن نافع على الوصفية لكتاب أو الخبرية لمحذوف أي هو بشير لأهل الطاعة ونذير لأهل المعصية {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} عن تدبره وقبوله، والضمير للقوم على المعنى الأول ليعلمون وللكفار المذكورين حكمًا على المعنى الثاني، ويجوز أن يكون للقوم عليه أيضًا بأن يراد به ما من شأنهم العلم والنظر {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي لا يقبلون ولا يطيعون من قولك: تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل قتضاه فكأنه لم يسمعه وهو مجاز مشهور.
وفي الكشف أن قوله تعالى: {فَأَعْرَضَ} مقابل قوله تعالى: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3] وقوله سبحانه: {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} مقابل قوله جل شأنه: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أي أنكروا إعجازه والإذعان له مع العلم ولم يقبلوا بشائره ونذره لعدم التدبر.

.تفسير الآية رقم (5):

{وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)}
{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} أي أغطية متكاثفة {مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} من الإيمان بالله تعالى وحده وترك ما ألفينا عليه آباءنا و{مِنْ} على ما في البحر لابتداء الغاية {وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ} أي صمم وأصله الثقل.
وقرأ طلحة بكسر الواو وقرئ بفتح القاف {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} غليظ يمنعنا عن التواصل ومن للدلالة على أن الحجاب مبتدأ من الجانبين بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة ولم يبق ثمت فراغ أصلًا.
وتوضيحه أن البين عنى الوسط بالسكون وإذا قيل: بيننا وبينك حجاب صدق على حجاب كائن بينهما استوعب أولًا، وأما إذا قيل: من بيننا فيدل على أن مبتدأ الحجاب من الوسط أعني طرفه الذي يلي المتكلم فسواء أعيد {مِنْ} أو لم يعد يكون الطرف الآخر منتهى باعتبار ومبتدأ باعتبار فيكون الظاهر الاستيعاب لأن جميع الجهة أعني البين جعل مبتدأ الحجاب فالمنتهى غيره البتة، وهذا كاف في الفرق بين الصورتين كيف وقد أعيد البين لاستئناف الابتداء من تلك الجهة أيضًا إذ لو قيل: ومن بيننا بتغليب المتكلم لكفى، ثم ضرورة العطف على نحو بيني وبينك إن سلمت لا تنافي إرادة الإعادة له فتدبر، وما ذكروه من الجمل الثلاث تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله ومج أسماعهم له وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وأرادوا بذلك إقناطه عليه الصلاة والسلام عن اتباعهم إياه عليه الصلاة والسلام حتى لا يدعوهم إلى الصراط المستقيم.
وذكر أبو حيان أنه لما كان القلب محل المعرفة والسمع والبصر معينان على تحصيل المعارف ذكروا أن هذه الثلاثة محجوبة عن أن يصل إليها مما يلقيه الرسول صلى الله عليه وسلم شيء ولم يقولوا على قلوبنا أكنة كما قالوا: وفي آذاننا وقر ليكون الكلام على نمط واحد في جعل القلوب والآذان مستقر الأكنة والوقر وإن كان أحدهما استقرار استعلاء والثاني استقرار احتواء إذ لا فرق في المعنى بين قلوبنا في أكنة وعلى قلوبنا أكنة والدليل عليه قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أن يفقهوه ولو قيل إنا جعلنا قلوبهم في أكنة لم يختلف المعنى فالمطابقة حاصلة من حيث المعنى والمطابيع من العرب لا يراعون الطباق والملاحظة إلا في المعاني، واختصاص كل من العبارتين وضعه للتفنن على أنه لما كان منسوبًا إلى الله تعالى في سورة بني إسرائيل والكهف كان معنى الاستعلاء والقهر أنسب، وههنا لما كان حكاية عن مقالهم كان معنى الاحتواء أقرب، كذا حققه بعض الأجلة ودغدغ فيه، وتفسير الأكنة بالأغطية هو الذي عليه جمهور المفسرين فهي جمع كنان كغطاء لفظًا ومعنى: وقيل: هي ما يجعل فيها السهام.
أخرج عبد بن حميد. وابن المنذر عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} قالوا كالجعبة للنبل {فاعمل} على دينك وقيل في إبطال أمرنا {إِنَّنَا عاملون} على ديننا وقيل: في إبطال أمرك والكلام على الأول متاركة وتقنيط عن اتباعه عليه الصلاة والسلام، ومقصودهم أننا عاملون، والأول: توطئة له، وحاصل المعنى أنا لا نترك ديننا بل نثبت عليه كما نثبت على دينك، وعلى الثاني: هو مبارزة بالخلاف والجدال، وقائل ما ذكر أبو جهل ومعه جماعة من قريش.
ففي خبر أخرجه أبو سهل السري من طريق عبد القدوس عن نافع بن الأزرق عن ابن عمر عن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية أقبلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ما يمنعكم من الإسلام فتسودوا العرب؟ فقالوا: يا محمد ما نفقه ما تقول ولا نسمعه وان على قلوبنا لغلفا وأخذ أبو جهل ثوابًا فمده فيما بينه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب، وفيه فلما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد اعرض علينا الإسلام فلما عرض عليهم الإسلام أسلموا عن آخرهم فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: الحمد الله بالأمس تزعمون أن على قلوبكم غلفا وقلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه وفي آذانكم وقرأ وأصبحتم اليوم مسلمين فقالوا: يا رسول الله كذبنا والله بالأمس لو كذلك ما اهتدينا أبدًا ولكن الله تعالى الصادق والعباد الكاذبون عليه وهو الغني ونحن الفقراء إليه.

.تفسير الآية رقم (6):

{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6)}
{قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} لست ملكًا ولا جنيًا لا يمكنكم التلقي منه، وهو رد لقولهم: {بيننا وبينك حجاب} [فصلت: 5] {يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ} أي ولا أدعوكم إلى ما عنه العقول وإنما أدعوكم إلى التوحيد الذي دلت عليه دلائل العقل وشهدت له شواهد السمع، وهذا جواب عن قولهم: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر} [فصلت: 5] {فاستقيموا إِلَيْهِ} فاستووا إليه تعالى بالتوحيد واخلاص العبادة ولا تتمسكوا بعرا الشرك وتقولوا لمن يدعوكم إلى التوحيد: قلوبنا في أكنة إلخ {واستغفروه} مما سلف منكم من القول والعمل وهذا وجه لا يخلو عن حسن في ربط الأمر بما قلبه، وفي إرشاد العقل السليم أي لست من جنس مغاير لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب وتباين مصحح لتباين الأعمال والاديان كما ينبئ عنه قولكم: {فاعلم إِنَّنَا عاملون} [فصلت: 5] بل إنما أن بشر مثلكم مأمور بما آمركم به حيث أخبرنا جميعًا بالتوحيد بخطاب جامع بيني وبينكم، فإن الخطاب في {ألهاكم} محكى منتظم للكل لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة كما في مثلكم وهو مبني على اختيار الوجه الأول في {فاعلم إِنَّنَا عاملون} ولا بأس به من هذه الجهة نعم فيه قصور من جهة أخرى، وقال صاحب الفرائد: ليس هذا جوابًا لقولهم إذ لا يقتضي أن يكون له جواب، وحاصله لا تتركهم وما يدينون لقولهم ذلك المقصود منه أن تتركهم، سلمنا أنه جواب كلن المراد منه أني بشر فلا أقدر أن أخرج قلوبكم من الأكنة وأرفع الحجاب من البين والوقر من الآذان ولكني أوحى إلي وأمرت بتبليغ {أَنَّمَا إلهكم إله واحد} وللإمام كلام قريب مما ذكر في حيز التسليم، وكلا الكلامين غير واف بجزالة النظم الكريم، وجعله الزمخشري جوابًا من أن المشركين طالما يتمسكون في رد النبوة بأن مدعيها بشر ويجب أن يكون ملكًا ولا يجوز أن يكون بشرًا ولذا لا يصغون إلى قول الرسول ولا يتفكرون فيه فقوله عليه الصلاة والسلام: إني لست لك وإنما أنا بشر من باب القلب عليهم لا القول بالموجب ولا من الأسلوب الحكيم في شيء كما قيل كأنه صلى الله عليه وسلم قال: ما تمسكتم به في رد نبوتي من أني بشر هو الذي يصحح نبوتي إذ لا يحسن في الحكمة أن يرسل إليكم الملك فهذا يوجب قبولكم لا الرد والغلو في الأعراض.
وقوله: {يُوحِى إِلَىَّ إِنَّمَا إلهكم} تمهيد للمقصود من البعثة بعد إثبات النبوة أولًا مفصلًا بقوله تعالى: {حم} [فصلت: 1] الآيات ومجملًا ثانيًا بقوله: {يوحى إِلَىَّ} ثم قيل: {إِنَّمَا إلهكم} بيانًا للمقصود فقوله: {يُوحَى} إلى مسوق للتمهيد، وفيه رمز إلى إثبات النبوة، وهذا المعنى على القول بأن المراد من {فاعمل} إلخ فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك ظاهر، وأما على القول الأول فوجهه أن الدين هو جملة ما يلتزمه المبعوث إليه من طاعة الباعث تعالى بواسطة تبليغ المبعوث فهو مسبب عن نبوته المسببة عن دليلها فأظهروا بذلك أنهم منقادون لما قرر لديهم آباؤهم من منافاة النبوة للبشرية وأنه دينهم فقيل لهم ما قيل، وهو على هذا الوجه أكثر طباقًا وأبلغ، وهذا حسن دقيق وما ذكر أولا أسرع تبادرًا، وفي الكشف أن {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ} في مقابلة إنكارهم الاعجاز والنبوة وقوله: {فاستقيموا} يقابل عدم القبول وفيه رمز إلى شيء مما سمعت فتأمل، وقرأ ابن وثاب. والأعمش {قَالَ إِنَّمَا} فعلا ماضيًا، وقرأ النخعي. والأعمش {يُوحَى} بكسر الحاء على أنه مبني للفاعل أي يوحي الله إلى أنما الهكم إله واحد.
{وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ} من شركهم بربهم عز وجل.